الغير المتناهي و هو محال أو لا تتناهى كنفوس ناطقة على مذهب الحكماء(3) فمفهوم
(3) قوله: «كنفوس ناطقة على مذهب الحكماء» النفوس النّاطقة الانسانية عندهم غير متناهية لأن العالم قديم زماني لا كما ذهب اليه المتكلمون من انه حادث زماني. و حيث انه قديم فلا يخلو قطّ عن النفس الناطقه الحادثة بحدوث ابدانها كما تقرر في الحكمة المتعالية، لا مع حدوث ابدانها كما هو ظاهر المشاء. و حيث ان النفوس جواهر عارية عن المادة و احكامها فهي باقية ابدا و ان كانت بحسب الحدوث غير ازلية و لا يلزم القول بأن كلّ ما هو ابديّ فهو ازليّ ايضا، و ذلك لأن ما هو ازلي فهو ابدي و لا عكس كليّا. و كذلك لا يلزم القول بان كل ما ثبت حدوثه ثبت زواله، و ذلك لأن كل ما ثبت قدمه امتنع عدمه و لا عكس كليا ايضا لأن بعض ما ثبت حدوثه بالمادة او مع المادة كالنفس امتنع عدمه بل هو ابدي قال صلى اللّه عليه و آله خلقتم للبقاء لا للفناء، نعم النفس من حيث هي نفس لا تدوم لأن عنوان النفسية للجوهر النطقي حادثة بالاتفاق من الحكماء و المتكلمة. فان قلت القول بأن كل ما ثبت حدوثه ثبت زواله كعكس النقيض لقولهم: كل ما ثبت قدمه امتنع عدمه. قلت: الحدوث من حيث ذلك العنوان المشار اليه فلا ينافي كون النفس روحانية البقاء فتبصّر. و ان قلت: قد اشتهر من افلاطون الإلهي ان النفس قديمة. قلت ليس مراده من قدم النفس ان هذه الهويات المتعدّدة المشتركة في معنى نوعي محدود بحدّ خاص حيواني اشخاصها قديمة، كيف و هو يصادم البرهان لاستحالة وجود عدد كثير تحت نوع واحد في عالم الإبداع الخارج عن المواد و الاستعدادات و الانفعالات و الازمنة و الحركات؟! فمراده من قدم النفس قدم مبدعها و منشئها الذي ستعود اليه بعد انقطاعها عن الدنيا، كما افاده صاحب الاسفار في الفصل السابع من الطرف الثاني من المرحلة العاشرة منه (ج 1 ط 1 ص 319) و ان شئت فراجع الى الدرس الثالث من كتابنا دروس اتحاد العاقل بالمعقول، أو الى العين التاسعة من كتابنا عيون المسائل و شرحه سرح العيون في شرح العيون. و ان قلت: كون النفوس الناطقة غير متناهية مبتن على بطلان التناسخ و اخواتها من التفاسخ و التماسخ و التراسخ. قلت: العلم نقطة كثرها الجاهلون، و التناسخ يرمز الى معني دقيق و لطيف تفردّنا بعون ملهم الصواب في تحقيقه و تنقيبه في كتابنا العيون المقدّم ذكره فعليك بالعين الرابعة و الخمسين منه و شرحه سرح العيون. و قوله: «غير متناهية مجتمعة في الوجود بالفعل» ناظر إلى أنها مجتمعة في الوجود بالفعل بعد مفارقتها عن الأبدان. و هذا الكلام في رد الدوّاني حيث قال الى أنها لو كانت غير متناهية لا متنع اجتماعها في الوجود بالفعل. و انت تعلم ان الارواح المفارقة عن الابدان لا تزاحم و لا تصادم فيها لكونها مفارقات عن المادة و احكامها، و ان الدار الآخرة و جنتها و جحيمها بمراتبها كلّيّتها ليست من سنخ هذه النشأة الممنّوة بالمادّة و أحكامها الموجبة للتزاحم و التصادم. و قال صاحب الاسفار في الدواني: و اني لقضيت العجب من ادعائه الطيران الى السماء بهذه الأجنحة الواهية (ج 1 ط 1 ص 81). و من كلمات العارف الرومي في ذلك المبحث قوله في اوائل الدفتر الأول من المثنوي:
ده چراغ ار حاضر آرى در مكان هر يكى باشد بصورت غير آن
فرق نتوان كرد نور هر يكى چون بنورش روى آرى بىشكى
منبسط بوديم و يك گوهر همه بىسر و بىپا بديم آنسر همه
چون بصورت آمد آن نور سره شد عدد چون سايهاى كنگره
فان قلت: كما أنّ الارواح اي النفوس الناطقة الانسانية بعد مفارقتها عن الابدان نفوس مجرّدة متشخّصة باقية ببقائها الأبدي، فلتكن قبل تعلّقها بالأبدان ايضا وجودات متمائزة ثم تعلّقت بالاجنّة حسب اقدارها، كما ذهب اليه الطائفة المتكلمة. قلت: هذا القياس محض الوهم و لا اساس له، فان النفوس الناطقة بعد حدوثها بحدوث البدن تشخّصت بعلومها و اعمالها من حيث انها ارواح مجردة، كما تشخصت بابدانها من حيث انها نفوس مدبّره فان العلم مشخّص النفس، و العمل مشخّص البدن من حيث انهما نفس الانسان و بدنه على مبنى البراهين القاطعة و الحجج البالغة في هذا المطلب الأسني فان للانسان ابدانا طولية و التفاوت بينها بالكمال و النقص فمصحّح كثرتها في هذه النشأة هو المادة و بعد المفارقة عنها حقائق ذواتها المصنوعة من العمل و العمل، و أما قبل حدوثها في هذه النشأة فلا مصحّح لتعدّدها و كثرتها كما تقدّم الإشارة الى ذلك من استحالة وجود عدد كثير تحت نوع واحد في عالم الإبداع الخارج عن الموادّ و الاستعدادات و الانفعالات و الازمنة و الحركات، إلا أن يتفوّه القائل بكثرتها قبل حدوثها بالآراء الفائلة الجزافية كما هو ديدنه. ثم تقييد النفوس بالانسانية لاخراج النفوس الفلكية فانها متناهية عندهم و ان كانت كالنفوس الانسانية ذوات ادراكات كلية، و حركاتها استكمالية على الوجه المقرر في محلّه.