حيث إن الفصل علة لتحصل الجنس و هما متحدان في الوجود للحمل سيما في البسائط(28) الخارجية.
و هذا مناسب لتحقق الماهية(29) بواسطة تحقق الوجود الحقيقي. لكن ليعلم أن الماهية اعتبارية انتزاعية و إن كانت من الاعتباريات النفس(30)
(28) قوله: «سيما في البسائط» لأن المركب كالجسم له مادة و صورة خارجيتان فالاجسام مركبات خارجية، فلها مادة ذهنية ايضا مأخوذة بشرط لا، و صورة كذلك، و المادة الذهنية جنس و الصورة الذهنية فصل. و هذه المادة متحدة مع الجنس الطبيعي ذاتا و مختلفة معه باعتباري بشرط لا و لا بشرط، و كذا هذه الصورة مع الفصل الطبيعي. و أما البسائط سواء كان جوهرية أو عرضية فما به الإشتراك أي الجنس، و ما به الامتياز أي الفصل فيها متّحدان وجودا فالمادة و الصورة أي الجنس و الفصل في اعراض الجسم مثلا مأخوذتان بشرط لا في العقل فقط، و ليست لها مادة و صورة خارجيتان و الاّ لكانت الأعراض أجساما، و لذا كانت الأعراض بسائط خارجية.
(29) قوله: «و هذا مناسب لتحقق الماهية...» اي الوجه الأخير من اقسام الواسطة في العروض و هو نحو كون الفصل علة أي واسطة لتحصّل الجنس مناسب لتحقق الماهيّة بواسطة تحقق الوجود الحقيقي. فاتحادهما اتحاد المبهم و المعين، و اتحاد اللاّ متحصّل و المتحصّل، و ان شئت قلت اتحاد السراب و الماء، او نحوها من تعبيرات تمثيليّة أخرى.
(30) قوله: «و ان كانت من الاعتباريّات النفس الأمرية» قد حررّنا وجوه البحث عن نفس الأمر في رسالتنا المعمولة فيها «رسالة في نفس الأمر» و قد طبعت مع سبع رسائل أخرى باسم «ثمان رسائل عربية» و مما جرى من القلم في مفتتحها أن كلمة النفس بمعنى الذات، و الأمر بمعنى الشيء، و اطلاق النفس على الذات و الامر على الشيء شائع ذائع؛ فنفس الأمر بمعنى ذات الشيء و حقيقته، فالشيء الذي له حقيقة فله نفسية بذاته و واقعية في حد ذاته فهو موجود في حد ذاته مع قطع النظر عن فرض فارض و اعتبار معتبر. و الواقعيات في نظام الكون الأحسن الأتم هي صور علمية نطلبها و نبحث عنها و نقيم البرهان عليها فاذا حصلت لناصرنا عالمين فيتفرّع عليها نتائج حقّة نستفيد بها في شئون أمورنا الدنيوية و الأخروية. لا تتغير تلك الواقعيات عن حقائقها بفرض فارض و تصور متصوّر و اعتبار معتبر. مثلا الأربعة زوج، و الانسان ممكن، و الجسم المتناهي متشكل هي احكام واقعية نفسية لا فرضية اعتبارية محضة، يترتب عليها نتائج علمية حقيقية بخلاف القول بأن الأربعة فرد مثلا فانه لا نفسية له اصلا، و هكذا غيره من الكواذب الأخرى. فنفس الأمر هي عبارة عن أمر اصيل قويم لا يتطرق اليها بطلان بل هي متن من متون الأعيان و تخم من تخوم الضرورة و البرهان، أي حدّ من حدودهما و اصل من اصولهما الثابت ازلا و أبدا سواء كان ذلك الامر موجودا في الخارج او في الذهن. و خلاصة الأمر في بيان نفس الأمر أن من المباحث الرئيسة في الفلسفة الإلهية و العرفان الحقيقي هو البحث عن نفس الأمر. و يعنى بها صور حقائق القضايا الصادقة المتحققة في متن النظام الأحسن الوجودي التي لها في كل مرتبة من مراتب العوالم الطولية ظهور خاص، و تلك القضايا حاكية عنها، و الكواذب بأسرها عارية عن نفس الأمر. و اذا عرفت معنى كون الشيء له نفس الأمر و ان كان اعتباريا فاعلم ان الماهية من الإعتباريات النفس الأمرية الا أنّ اعتباريتها هي تحققها بواسطة الوجود الحقيقي و يترتب على تلك الأمر الاعتباري الذي له نفسية أحكام واقعية صادقة حقيقية. و في معنى ذلك الاعتبار افاد صائن الدين في مقدمة تمهيد القواعد في شرح قواعد التوحيد بقوله: ان الوجود عندهم لمّا كان أمرا زائدا على ماهيات الموجودات و لم يكن لشيء منها تحقق إلا باقترانه اليه و دخوله في نوع من انواع مطلق الحصول حقيقيا كان او اعتباريا، تخيّلوا أن نسبة الماهيات إلى الوجود كنسبة الأجسام الى الحيّز، فكما أن لكل جسم اختصاصا طبيعيا بمكان خاص لا يتعدّى من نوع ذلك المكان اصلا، كذلك الماهيات بالنسبة إلى الوجود، فان منها ما لا يكون لها تحقق إلاّ بحسب الفرض العقلي و هو الذي وجودها في القوى المدركة فقط كالنسب و الإضافات الإعتبارية، و هذا النوع من الوجود يسمّى عندهم بالوجود الفرضي و الأمور الإعتبارية معروضاته. و منها ما يكون لها تحقق خارج الفرض و الإعتبار سواء وجد الفرض العقلي أولم يوجد، و يسمّى عندهم بالوجود الحقيقي و الوجود في نفس الأمر. و من هذا القسم منه ما يكون بالقياس الى الخارج ايضا موجودا و هو المسمّى بالوجود الخارجي أي الخارج عن المشاعر؛ و منه ما يكون تحققه في المشاعر كالنسب و الإضافات الحقيقية و سائر ما يقع في الدرجة الثانية من التعقّل. انتهى (ص 13 و 14 ط 1 - ايران). و بالجملة أن الكلي الطبيعي مما له تحقق و نفسية خارج الفرض و الإعتبار بواسطة الوجود الحقيقي فوصفه بالتحقق وصف بحال نفسه و بالحقيقة العقلية و العرفية؛ و لا ينافي قولنا بان للكلي الطبيعي تحققا و نفسية خارج الفرض و الإعتبار، قولهم بأنّ الماهية اعتبارية انتزاعية فتدبر. و اما التجوز العرفاني فأمر أشمخ من هذه المباحث كما يأتي.