(1) قوله: «نحمد من علّمنا البيانا» افتتح بالتسمية و التحميد اقتفاء بالقرآن الذي يهدي للتي هي اقوم. البيان النطق فان الانسان حيوان يختص من سائر الحيوانات بنفس تسمّى نفسا ناطقة، إذ كان أشهر أفعالها و أوّل آثارها الخاصّة بها النطق. و ليس يعنى بقولهم: نفس ناطقة أنها مبدأ المنطق فقط، بل جعل هذا اللفظ لقبا لذاتها. و الإنسان مدنيّ بالطبع فيحتاج إلي أن يعلم غيره ما في نفسه بعلامة وضعيّة، و غير النطق لا يفي بذلك. و بعبارة أخرى أن شيئية الشيء بصورته، و الصورة الإنسانية هي حقيقة تخصّها من بين سائر الحيوانات و تميّزها عنها و عن غيرها، و الحيوانات بأسرها لها قوى إدراكية منحصرة في المحسوسات و الموهومات، و أما النفس الإنسانية فهي حقيقة تعقل الحقائق العقلية الكلّية المرسلة و تستنبط من إدراكها المحسوسات، و من العلم بمعلوماتها المجهولات؛ ثم لا حدّ لها تقف عنده بل كلما علم شيئا تتّسع به وجودا، و تسمّى بحسب شئونها و أفعالها و أحوالها بأسامي عديدة فهي العاقلة العالمة العاملة الذاكرة الحافظة المتفكرة المميّزة المريدة الناطقة و غيرها إلى ما شاء اللّه. مٰا لَكُمْ لاٰ تَرْجُونَ لِلّٰهِ وَقٰاراً وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوٰاراً (نوح 14 و 15). و لمّا كان الإنسان مدنيّا بالطبع و لا بدّله من تعليم و تعلّم و إعلام و هي لا تتمّ بدون النطق و النطق هو إظهار ما في الضمير و هو من أشمخ مظاهر ادراك الكلّيات، سمّوها ناطقة. و قال القطب الشيرازى في شرحه على حكمة الاشراق: المنطق مشتق من النطق الداخلي، و هو القوة التي ترسم فيها المعاني، و المنطق يهذبّها (ص 30 ط 1 - ايران). - - و أما قوله سبحانه: «قٰالُوا أَنْطَقَنَا اَللّٰهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ» (فصلت 22)، فانّ فيه سرّا ربوبيّا و رمزا ملكوتيّا قد تضمّنت العين الأحدى و العشرون من كتابنا: «عيون مسائل النّفس» و شرحها: «سرح العيون في شرح العيون» بعض الإشارات إليه. و البيان على نظر آخر هو كل واحدة من الكلمات النورية الوجودية التي هي مظاهر أسماء اللّه الحسنى و صفاته العليا، فانّه علت كلمته متكلّم فالوجودات كلماته المعربة عن المكنون الغيبي كالكلمة اللفظية المعربة عمّا في ضمير الإنسان قال الوصى عليه السلام: «... و انما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه و مثله (الخطبة 184 من نهج البلاغة) و قال الامام الصادق عليه السلام: «نحن الكلمات التامّات». و يعبّر عن المظاهر بالأسماء ايضا و قال عز من قائل: وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا (البقرة 32). و في تفسير المجمع: قال الصادق عليه السلام: «البيان الاسم الأعظم الذى علم به كلّ شىء». و الانسان الكامل هو اسم اللّه الأعظم الذى أوتى جوامع الكلم. و هو مبيّن حقائق الأسماء، و أدلّ دليل على ربّه الاكرم كما هو أوّل دليل على ذلك. و في المجمع أيضا عن ابن كيسان: «خلق الإنسان، يعني محمدا - صلى اللّه عليه و آله - علّمه البيان، يعني ما كان و ما يكون». و الحمد كالذكر له خمس مراتب بالألسنة الخمسة. كما أنّ الحضرات خمس، و النكاحات خمسة، و انواع العرش خمسة، و كذلك أنواع القلب خمسة، و للسّاعة أيضا أنواع خمسة، و للنون خمس مراتب. و في تائيتي المسماة بينبوع الحيوة: قيا متنا قد قامت الآن فابصرا و أنواعها الكليّة خذ بخمسة كنون و قلب ثمّ عرش و حضرة و حمد و أقسام نكاح بنوبة هي سبعة سبع سما و اتك العلى من الأرض فاقرأ مثلهنّ بسبعة هي الكلّيات تحتوى جزئياتها على كثرة من غير حصر و عيقة و في البيان إيماء إلي مكانة علم المنطق ايضا لأنه بيان سائر العلوم في وجه استنباط النتائج من طرقها الاستدلالية. ثم ينبغى التوجه التام و الاهتمام الكامل في النيل بمراتب الذكر علي الوجه الوجيه الذي صدر عن بيت اهل الذكر - صلوات اللّه عليهم - و هو ما يلى: سبط الشيخ الطبرسى في مشكوة الانوار عن بعض الصادقين (ع) انه قال: الذكر مقسوم على سبعة اعضاء: اللسان و الروح و النفس و العقل و المعرفة و السر و القلب. و كل واحد منها يحتاج الى استقامة: فاستقامة اللسان صدق الاقرار. و استقامة الروح صدق الاستغفار. و استقامة النفس صدق الاعتذار. - - و استقامة العقل صدق الاعتبار. و استقامة المعرفة صدق الافتخار. و استقامة السر السرور بعالم الاسرار. و استقامة القلب صدق اليقين و معرفة الجبار. و ذكر اللسان الحمد و الثناء. و ذكر النفس الجهد و العناء. و ذكر الروح الخوف و الرجاء. و ذكر القلب الصدق و الصفاء. و ذكر العقل التعظيم و الحياء. و ذكر المعرفة التسليم و الرضا. و ذكر السّر الرؤية و اللقاء. و رواه الفتال في روضة الواعظين عنه - عليه السلام - مثله (مستدرك الوسائل ط 1 من الرحلي ج 1 ص 401). اقول: المروي في المستدرك اصابه سقط و اتممناه بعرضه على ابواب السبعة من الخصال للصدوق - رحمة اللّه تعالى عليه.