و إن أردت زيادة إيضاح زدنا الأمثلة فنقول قد عرف الفكر بأنه ترتيب أمور معقولة لتحصيل المجهول. و أجزاء هذا التعريف هي الحدان الأوسطان في قياسين هما برهان على الفكر فإنا إذا أردنا إقامة البرهان على الفكر المصطلح(47) لكيلا نقع في الغلط- و لا نقول كل انتقال للنفس في المدركات الجزئية فكر كما يقول جمهور الناس في كل انتقال لأية مدركة من المدارك الباطنة من صورة جزئية إلى أخرى و على أي وجه كان الانتقال إن هذه النفس تتفكر و ليس كذلك- قلنا العاقلة قوة تتوجه إلى تحصيل المجهول و كل قوة تتوجه إلى تحصيل المجهول ترتب أمورا معقولة بديهية
(47) قوله: «على الفكر المصطلح...» يعني به الفكر المصطلح العلمي المنطقي. و قد تقدم الاشارة في صدر الكتاب في بيان قوله: «الفكر حركة الى المبادي...» ان الفكر المنطقي هو الحركة العقلية من المطالب الى المبادي و من المبادي الى المطالب فهو انما يجري في المعقولات فقط. و أمّا الفكر عند جمهور الناس فهو كل انتقال للنفس في المدركات الجزئية. و نزيد هيهنا تمام الكلام في اقسام الفكر بما أفاده المحقق الطوسي في شرحه على منطق الاشارات عند قول الشيخ في صدر الكتاب: «و اعني بالفكر هيهنا ما يكون عند اجماع الإنسان أن ينتقل عن امور حاضرة في ذهنه...» قال: الفكر قد يطلق على حركة النفس بالقوة التي آلتها مقدم البطن الأوسط من الدماغ المسمى بالدودة أيّ حركة كانت إذا كانت تلك الحركة في المعقولات، و أما إذا كانت في المحسوسات فقد تسمّى تخيلا. و قد يطلق على معنى ثان أخصّ من الأول و هو حركة من جملة الحركات المذكورة تتوجّه النفس بها من المطالب مترددة في المعاني الحاضرة عندها طالبة مبادي تلك المطالب المؤدية اليها إلى أن تجدها، ثم ترجع منها نحو المطالب. و قد يطلق على معنى ثالث هو جزء من الثاني (هو أخص من الثاني - خ) و هو الحركة الأولى وحدها من غير أن يجعل الرجوع إلى المطالب جزء منه و ان كان الغرض منها هو الرجوع الى المطالب. و الأوّل هو الفكر الذي يعدّ في خواصّ نوع الانسان. و الثاني هو الفكر الذي يحتاج فيه و في جزئيه جميعا الى علم المنطق. و الثالث هو الفكر الذي يستعمل بازاء الحدس. انتهى. و انت بما اشرنا اليه تعلم أن الفكر المصطلح هو الأوسط منها؛ و أن قوله: «ان هذه النفس تتفكر هو مقول لقول الجمهور لانّ قوله في كل انتقال - الى قوله على أي وجه كان الانتقال تقرير المصنف لما عليه الجمهور في الفكر.