و قارن الكتاب و الميزانا(1) المراد بالميزان الإنسان الكامل إن أريد بالكتاب
(1) قوله: «و قارن الكتاب و الميزانا اعلم ان كتاب اللّه تعالى إما تكويني، و إما تدويني، فالتكويني آفاقي و انفسي، و التدويني هو ما بين الدفتّين. و الآفاقى كتاب المحو و الاثبات، و الكتاب المبين، و ام الكتاب؛ يمحو اللّه ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب، و لا رطب و لا يابس إلا في كتاب مبين. و الانفسي علييني و سجيني ان كتاب الابرار لفي عليين و ان كتاب الفجار لفي سجّين. و القران بين الكتاب و الميزان يحتمل بادى النظر خمسة أوجه: أحدها أن يراد بالميزان الإنسان الكامل، و بالكتاب الكتاب التكويني الآفاقى. و ثانيها أن يراد بالميزان العقل الجامع للعلم و العمل، و بالكتاب الكتاب الأنفسي. و ثالثها أن يراد بالميزان علم المنطق، و بالكتاب الكتاب الأنفسي أيضا. و رابعا أن يراد بهما لفظتا الكتاب و الميزان في الكتاب التدويني نحو قوله سبحانه لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْمِيزٰانَ لِيَقُومَ اَلنّٰاسُ بِالْقِسْطِ (الحديد 26) و قوله تعالى شانه: اَللّٰهُ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلْكِتٰابَ بِالْحَقِّ وَ اَلْمِيزٰانَ (الشورى 18). و هذه الأربعة مذكورة في الكتاب صريحا كما لا يخفى. و أما خامسها فهو قرانهما معا في الانسان الكامل، و لم يتعرض به صريحا. لكن بحسب النظر الدقيق عند التحقيق يرجع الخامس الى الثاني و الثالث كما يأتي بيانه. فاعلم أن الألفاظ موضوعة للمعاني العامة، و الانسان الكامل وحده هو الكتاب و الميزان فالقران بينهما على التوسّع في التعبير فان حقيقته على هذا الوجه هي الانطواء و الإندماج. أمّا انّه كتاب فلأنه مصداق قوله سبحانه: «وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنٰاهُ فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ» (يس 13). و أما أنه ميزان فلأنه ميزان سائر الأناسي، و ميزان كل شيء بحسبه و شاكلته. قال تعالى شأنه: «وَ نَضَعُ اَلْمَوٰازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ» (الانبياء 48). و في الكافي و المعاني عن الصادق عليه السلام انه سئل عن قول اللّه و نضع الموازين القسط ليوم القيمة، قال: هم الانبياء و الأوصياء. و في رواية أخرى: نحن الموازين القسط و في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: «اَللّٰهُ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلْكِتٰابَ بِالْحَقِّ وَ اَلْمِيزٰانَ (الشورى. - - 18) عن علقمة: الميزان محمد صلى اللّه عليه و آله يقضي بينهم بالكتاب. و سرّ ذلك - كما في تفسير أول الأعراف من الصّافي - أن ميزان كل شيء هو المعيار الذي به يعرف قدر ذلك الشيء، فميزان الناس ليوم القيامة ما يوزن به قدر كل انسان و قيمته على حسب عقيدته و خلقه و عمله لتجزي كل نفس بما كسبت، و ليس ذلك إلا الأنبياء و الأوصياء، إذ بهم و باتباع شرائهم و اقتفاء آثارهم و ترك ذلك و بالقرب من سيرتهم و البعد عنها يعرف مقدار الناس و قدر حسناتهم و سيئاتهم. فميزان كل أمة هو نبي تلك الأمة و وصىّ نبيّها و الشريعة التي أتى بها، فمن ثقلت حسناته و كثرت فأولئك هم المفلحون، و من خفت و قلّت فأولئك الذين خسروا أنفسهم بظلمهم عليها من جهة تكذيبهم الأنبياء و الأوصياء. و جاء في البند الإثنين و الأربعين من الجوشن الكبير قوله: «يا من في الميزان قضائه». و من إفادات المتأله السبزوارى في شرحه من كتابه شرح الأسماء أن الميزان الحقيقي هو أمير المؤمنين على عليه السلام: فيوزن العلوم الحقّة بعلمه عليه السّلام. مثلا يوزن التوحيد الخاصّي بل الخاص الخاصّي بتوحيده عليه السلام كما قال: توحيده تمييزه عن خلقه و حكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة». و يوزن نفي الصفات الزائدة بنفيه الصفات و فنائه في الذات كما قال: «كمال الإخلاص نفي الصفات». و يوزن الإعتقاد بالعالم العلوي و الجواهر القدسية بايقانه، بمنشى النشأتين و طرحه الكونين كما قال في تلك الأنوار القاهرة: «صور عارية عن المواد، خالية عن القوّه و الإستعداد...» الحديث. و هكذا في باقي المعارف. و كذا الأعمال الصالحة توزن بعمله عليه السلام. فكل عمل يشابهه و يجانسه فهو مقبول و ما ليس كذلك فمردود. فيوزن جميع ما لأهل السلوك في البدايات و المعاملات و الأخلاق و الأحوال و الحقائق و النهايات و غيرها من منازل السائرين و مراحل السالكين التي بسطت في علم السلوك و الأخلاق به عليه السلام و باخلاقه و افعاله و اقواله. فيوزن زهد الزاهدين بزهده. و زهده عليه السلام أظهر من الشمس في رابعة النهار بحيث ليس لأحد ممّن تديّن بدين الإسلام إباء و إنكار. مثلا يوزن لبس المرقّع بلبسه عليه السلام كما قال: «و اللّه لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها؛ و قال لي قائل: ألا تنبذها؟ فقلت اعزب عنّي فعند الصباح يحمد القوم السرى». و يوزن ترك الدنيا بطلاقه ثلاثا كما قال عليه السلام: «يا دنيا أبي تعرضت أم إليّ تشوفت؟ هيهاتغرّى غيري قد طلقتك ثلاثا لارجعة لي فيك فعمرك قصير و عيشك حقير و خطرك كثير، آه من قلّة الزاد و وحشة الطريق». ثم كيف يكون المراد بالميزان المقرون اسمه باسم الكتاب، و المقابل وضعه لرفع السماء في قوله تعالى: «لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْمِيزٰانَ لِيَقُومَ اَلنّٰاسُ بِالْقِسْطِ»، و قوله تعالى: «وَ اَلسَّمٰاءَ رَفَعَهٰا وَ وَضَعَ اَلْمِيزٰانَ» ميزان البر و الشعير و غيرهما من ذوى الكفتين و القبان و نحوهما و الجمود عليه ليس أقل من جمود الحنبلي على كثير من الظواهر الذي هو أبرد من الزمهرير؟ و كون حقيقة الميزان ما ذكرنا لا ينافي أن يكون لها رقيقة جسمانية بصورة ذى الكفّتين في الكون الصوري الأخروي؛ كما أن حقيقة جبرئيل و قد كانت تطبق الخافقين و تنسدّ بها الأفق، رقيقتها بصورة دحية الكلبي كانت في بيت النبيّ - صلى اللّه عليه و آله - فانّ لكلّ حقيقة رقيقة. و المناسبة بين حقيقته التي هي الإنسان الكامل و بين الرقيقة، أن احدي الكفتين علمه بحقائق الأشياء، و الأخرى نفس حقائقها فان الحكمة صيرورة الإنسان عالما عقليّا موازيا للعالم العيني على قاعدة اتحاد العاقل و المعقول، و لهذا فسّر الميزان في نفس الأسفار بالعلم و المعرفة. فإحدى الكفّتين مقامه الجمعي، و الأخرى مقام فرقه. و لا سيما في الأئمة عليهم السلام فان أنفسهم في النفوس و أجسادهم في الأجساد و أرواحهم في الأرواح و بهم سكنت السواكن و تحرّكت المتحركات و النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم. و بوجه آخر احدى الكفّتين القوة العلاّمة و الأخرى العمّالة و لهذا لا بدّ أن يكون العلم موافقا للعمل. انتهى ملخّصا (ص 152-154 ط 1) و سيأتي الكلام في الميزان ايضا عند قوله في الديباجة: «و يوزن الدين به قويما».