تعليمه كما قال اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ(1).
(1) قوله: كما قال: اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اَللّٰهُ» ضمير قال يرجع إلى من. و كذا ضمير صيّر، كضمائر الأفعال الأربعة في البيتين. و الكريمة من الآية 283 من البقرة بالواو «وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اَللّٰهُ وَ اَللّٰهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» و في النسخ المطبوعة المتقدمة على هذا الطبع: «اتقوا الله يعلمكم الله» بدون الواو، فجعل الجملة الثانية جوابا للأمر و لكنه لا يوافق الكتاب. نعم قال عز من قائل: «إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً» (الأنفال 30) فلو جعلت مكان الأولى لكان أولى. أي من يتق اللّه و لم يثبت غيرا و لم يشرك في ذاته و صفاته و أفعاله يجعل اللّه له فرقانا أي نورا في باطنه فارقا بين الحق و الباطل، و يعلم الحق و مراتبه و أحكامه في مواطنه و مقاماته. اعلم أن للتقوى مراتب هي مراتب التقوى للّه، و مراتب التقوى باللّه و في اللّه. أما مراتب التقوى للّه فتقوى العوام و تقوى الخواصّ و تقوى الأخصّ؛ فتقوى العوام الإتّقاء عن النواهي. و تقوى الخواص الإتقاء عن اسناد الكمالات إلي أنفسهم و الأفعال و الصفات اليها. و التقوى بهذا المعني هو الوقاية، و العمدة في الأدب مع اللّه امر الوقاية، فالمتقي بهذا المعنى هو الذي يتقي اللّه بنسبة المذام إلى نفسه و المحامد اليه سبحانه، كما أدّبنا القرآن في ذلك فقال حكاية عن المتأدبين بين يدي اللّه: و إذا مرضت فهو يشفين، رب إني مسّني الضرّ و انت ارحم الراحمين، فالعبد المتأدب بين يدي اللّه سبحانه يجعل نفسه وقاية ربه في المذام، و يجعل ربه وقاية نفسه في المحامد فافهم و تبصّر. و تفصيل البحث و تحقيق الحق في المقام يطلب في رسالتنا الموسومة بخير الأثر في ردّ الجبر و القدر. و تقوى الأخص من الكمّل عن اثبات وجود الغير مع الحق فعلا و صفة و ذاتا. و بالجملة ان للتقوى للّه مراتب عام و خاص و اخص، فالعام هو الاجتناب عن الحرام، و الخاص هو الاجتناب عن الحلال الا بقدر الضرورة، و الأخص الاجتناب عما سوى اللّه. و هذه مراتب التقوى للّه و هو قبل الوصول إلى مقام الجمع. و أما مراتب التقوى باللّه و في اللّه فهو أنما يكون عند البقاء بعد الفناء. و لكل مرتبة من مراتب التقوى فرقان يلزمها. فأعظم الفرقانات ما يكون في مقام الفرق بعد الجمع. قال بعض العارفين: إن خيرات الدنيا و الآخرة جمعت تحت كلمة واحدة و هي التقوى. انظر ما في القرآن الكريم من ذكرها، فكم علّق عليها من خير، و وعدلها من ثواب، و أضاف اليها من سعادة دنيوية و كرامة أخروية. و لنذكر لك من خصالها و آثارها الواردة فيه اثنتي عشرة خصلة: الأولى المدحة و الثناء، قال اللّه تعالى: وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ. الثانية الحفظ و الحراسته، قال تعالى: وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لاٰ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً. الثالثة التأييد و النصر، قال تعالى: إِنَّ اَللّٰهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا. الرابعة النجاة من الشدائد و الرزق الحلال، قال تعالى: وَ مَنْ يَتَّقِ اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاٰ يَحْتَسِبُ. الخامسة صلاح العمل، قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ قُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمٰالَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. السادسة غفران الذنوب، قال تعالى - بعد قوله يصلح لكم اعمالكم: وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. السابعة محبّة اللّه تعالى، قال تعالى: فَإِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُتَّقِينَ. الثامنة قبول الأعمال: قال تعالى: إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اَللّٰهُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ. التاسعة الاكرام و الإعزاز، قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ. العاشرة البشارة عند الموت، قال تعالى: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كٰانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ اَلْبُشْرىٰ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ فِي اَلْآخِرَةِ. الحادية عشرة النجاة من النار، قال تعالى: ثم يُنَجِّي اَللّٰهُ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا. الثانية عشرة الخلود فى الجنة، قال تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. فقد ظهر لك أن سعادة الدارين منطوية فيها، و مندرجة تحتها. و هي كنز عظيم و غنم جسيم و خير كثير و فوز كبير. و في الباب السابع و الستين من مصابح الشريعة: التقوى ماء ينفجر من عين المعرفة باللّه تعالى. و ممّا افاده صدر المتألهين في الفصل التاسع من الباب الحادي عشر من نفس الاسفار أن الزهد الحقيقي و النية الخالصة عن شوب الأغراض النفسانية لا يمكن أن يتيسّر الا للعرفاء الكاملين دون الجهّال الناسكين مع ان الغرض الاصلى من النسك هو تخليص القلب عن الشواغل و التوجه التام الى المبدء الاصلي و الاشتياق الى رضوان اللّه تعالى؛ و ليت شعري كيف يشتاق و يتوجه نحو المبدء الأول و دار كرامته من لا يعرفهما و لا يتصورهما؟! (ج 4 ط 1 ص 160)