استهلال(1) كقولنا لفكرنا بدائعا قد أنتجا(2) و غيره. و في جمع البدائع و البيان إيهام التناسب(3) و عقلنا بنوره قد أججا(4) أي صيره ممسوسا بنور علمه(5) الذي بإلهامه و
(1) قوله: «و بالجملة فيه براعة استهلال» أي في البيت المذكور براعة استهلال، كما ان في قولنا: «لفكرنا بدائعا قد أنتجا» أيضا براعة استهلال. و قوله: «غيره» معطوف على «قولنا» أي كغير قولنا هذا من أقوالنا الأخرى في الأبيات الآتية. أو أن «غيره» عطف على براعة استهلال أي و بالجملة فيه و في غيره براعة استهلال. من برع الرجل إذ افاق أقرانه و اصحابه في العلم أو غيره. و في الصحاح استهلّ الصبيّ إذا صاح عند الولادة. و براعة الاستهلال في علم البديع هو أن يبتدء الكتاب بالفاظ و عبارات تناسب مقصود الكتاب. كما ان كثيرا من الفاظ ديباجة اللئالي المنظومة كان مناسبا للمقصود.
(2) قوله: «لفكرنا بدايعا قد أنتجا» انتج من باب الإفعال، و الألف للإطلاق، و بدايعا مفعول قدم على عامله، و تنوينه للضرورة فانه غير منصرف. أسند الإنتاج إليه سبحانه إشارة إلى ما ذهب اليه الكمّل من اهل التوحيد، من أنه لا مؤثر في الوجود إلا اللّه و ما سواه معدّات بإذنه قال تعالى شأنه في الواقعة: أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلْخٰالِقُونَ... أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلزّٰارِعُونَ. فالصور العلمية و هي نتائج الأقيسة أنما تفيض منه سبحانه على النفوس الناطقة المستعدّة بإعداد التعليم و التفكير و نحوهما. و سيصرّح بذلك في البحث عن القياس حيث يقول: و الحق أن فاض من القدسي الصور و إنما إعداده من الفكر
(3) قوله: «و في جمع البدايع و البيان ايهام التناسب» و ذلك لأن بين معني البدايع و البيان ليس تناسبا هيهنا كما هو ظاهر، إلاّ أن الجمع بين لفظيهما يوهم التناسب بأنّما من فنون الأدب أي من فنّي البيان و البديع. قال في بديع المطول: ايهام التناسب هو أن يجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين يكون لهما معنيان متناسبان و إن لم يكونا مقصودين هيهنا نحو «اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبٰانٍ وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدٰانِ» النجم النبات الذي ينجم أي يظهر من الأرض و لا ساق له كالبقول، و الشجر الذي له ساق، يسجدان أي ينقادان للّه تعالى في ما خلقاله؛ فالنجم بهذا المعنى و ان لم يكن مناسبا للشمس و القمر لكنه قد يكون بمعنى الكوكب و هو مناسب لهما. (ص 333 ط عبد الرحيم).
(4) قوله: «و عقلنا بنوره قد أجّجا». عقلنا منصوب مقدم على عامله و هو أجّج من التأجيج في صحاح الجوهري: الأجيج تلهّب النار و أجّجتها فتأجّجت. و في معيار اللّغة: أجّت النار تلهّبت، و أجّجتها تأجيجا للتعدّية فتأجّجت. و في كنز اللغة: تأجيج آتش برافروختن.
(5) قوله: أي صيّره ممسوسا بنور علمه الخ. المس ليس بمعناه الظاهرى الجسمانى بل هو بمعناه الباطني الروحاني الرحماني نحو قوله سبحانه في الواقعة: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ. و سيأتي تفصيل ذلك، في البحث عن القياس حيث يقول: و في كيفية فيضان الصور العقلية على النفوس النطقية القدسية أقوال، الخ. و قال في غرر الفرائد: العقل العاشر باذن اللّه تعالى يوحي إلى الأنبياء صلوات اللّه عليهم، و يلهم الأولياء سلام اللّه عليهم، و يعلّم العلماء (ص 267 من الطبع الأعلى الناصري).