عليكم حكمة الميزان فيه إشارة إلى أن المنطق من الحكمة(1). قيل هو منها إن فسرناها
(1) قوله: «فيه اشارة إلي أن المنطق من الحكمة». عرّف الشيخ الرئيس الحكمة بأنها صناعة نظرية يستفيد منها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود كليّه في نفسه، و ما عليه الواجب ممّا ينبغي أن يكتسب بعلمه ليتشرّف بذلك نفسه و يستكمل و يصير عالما معقولا مضاهيا للعالم الموجود و يستعدّ للسعادة القصوي الأخروية و ذلك بحسب الطاقة البشرية. و عرّفها في اول الطبيعيات من عيون الحكمة بقوله: «الحكمة استكمال النفس الانسانية بتصوّر الأمور و التصديق بالحقائق النظرية و العملية على قدر الطاقة البشرية. و الحكمة المتعلقة بالأمور النظرية التي إلينا أن نعلمها و ليس إلينا أن نعملها تسمّى حكمة نظرية. و الحكمة المتعلقة بالأمور العلمية التي إلينا أن نعلمها و نعملها تسمى حكمة عملية». و عرّفها في التعليقات تارة بقوله: الحكمة معرفة الوجود الواجب و هو الأول؛ و أخري بأن الحكمة معرفة الوجود الحق (ص 20 و 61 ط مصر). و حدّها القدماء بأنها معرفة الأنسان نفسه، كما في رسائل الكندي 173 ط 1 مصر) و الكل حق و صواب. اذا عرفت تعريف الحكمة، دريت وجه ما قيل من أن المنطق من الحكمة بناء على تعريفها بخروج النفس إلي كمالها الممكن في جانبي العلم و العمل؛ و إن عرّفت بالعلم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية فهو ليس منها لأنّ موضوعه المعقولات الثانية و هي ليست بأعيان. نعم إذا كانت المعقولات الثانية من هيئات النفس من صفاتها و أحوالها الطارية عليها، و النفس خارجية و هيئة الأمر الخارجي خارجية كان المنطق علما بأحوال اعيان الموجودات بهذه الحيثية، كما قال: أقول بل هو من الحكمة و ان فسّرت، الخ. ثم أكّده بقوله: و كيف لا يكون من الحكمة و وضعه الخ. - - قال الفارابي في ابتداء رسالته في الجمع بين رأيي أفلاطون و ارسطو ما هذا لفظه؛ «ان ارسطو لمّا وجد افلاطون قد أحكم الفلسفة و أتقنها و أوضحها، اغتنم احتمال الكد و إعمال الجهد في إنشاء طريق القياس و شرع في بيانه و تهذيبه ليستعمل البرهان و القياس في جزء جزء ممّا يوجبه القسمة ليكون كالتابع المتمّم و المساعد الناصح» انتهى ما اردنا من نقل كلامه. فعلى هذا البيان من الفارابي، جعل المنطق تتمة الحكمة. و قال الرئيس ابن سينا في الفصل الثاني من المقالة الأولى في فنّ القياس من منطق الشفاء: «و المنطق نعم العون في ادراك العلوم كلّها فلذلك حق للفاضل المتأخر - يعنى به الفارابي - أن يفرط في مدح المنطق، و قد بلغ به هذا الإفراط إلى أن قال: إن المنطق ليس محلّه من العلوم الأخرى محل الخادم بل محلّ الرئيس لأنه معيار و مكيال». من إفادات المحقق الطوسى في شرحه على منطق الإشارات، عند قول الشيخ في رسم المنطق بأنه آلة قانونية ما هذا لفظه: «و التنازع في المنطق هل هو علم أم لا؟ ليس ممّا يقع بين المحصّلين لأنه بالإتفاق صناعة متعلقة بالنظر في المعقولات الثانية على وجه يقتضي تحصيل شيئ مطلوب مما هو حاصل عند الناظر، أو يعين على ذلك، و المعقولات الثانية هي العوارض التي تلحق المعقولات الأولى التي هي حقائق الموجودات و أحكامها المعقولة؛ فهو علم بمعلوم خاص و لا محالة يكون علما مّا و ان لم يكن داخلا تحت العلم بالمعقولات الأولي الذي يتعلق بأعيان الموجودات، إذ هو أيضا علم آخر خاص مبائن للأول. و القول بأنّه آلة للعلوم فلا يكون علما من جملتها، ليس بشيء لأنه ليس بآلة لجميعها حتى الأوليات بل لبعضها، و كثير من العلوم آلة لغيرها كالنحو للّغة و الهندسة للهيئة. و الإشكال الذي يورد في هذا الموضع و هو أن يقال لو كان كل علم محتاجا إلى المنطق لكان المنطق محتاجا إلى نفسه، أو إلي منطق آخر، ينحلّ به. و ذلك لتخصيص بعض العلوم بالإحتياج إلى المنطق لا جميعها؛ و المنطق يشتمل أكثره على اصطلاحات ينبّه عليها، و أوليات تتذكر و تعدّ لغيرها، و نظريات ليس من شأنها أن يغلط كالهندسيات التي يبرهن عليها، فجميعها غير محتاج إلى المنطق، فإن احتيج في شيء منه على سبيل الندرة إلى قوانين منطقية فلا يكون ذلك الاحتياج إلا إلى الصنف الأول فلا يدور الإحتياج إليه». انتهى ما افاده المحقق الطوسي في المقام. و أقول: اذا كان المنطق ميزان كل علم حاشاه أن لا يكون ميزان نفسه، و العلم اذا كان نورا للعالم أفلا يكون في نفسه نورا و عالما؟