بالفعل و لطائفه المتفننة و أطواره كما قال تعالى وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً(19) مع وحدته الحقة الظلية أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ. و من هذا النوع من الغلط ما وقع للمنكرين للعلم الحضوري لله تعالى لزعمهم أنه يستلزم التغير و التغاير في علمه تعالى. فإن المحققين من الحكماء قالوا إن الوجود
(19) قوله: «لقد خلقكم اطوارا» حكى اللّه سبحانه عن لسان نبيه نوح - سَلاٰمٌ عَلىٰ نُوحٍ فِي اَلْعٰالَمِينَ -: مٰا لَكُمْ لاٰ تَرْجُونَ لِلّٰهِ وَقٰاراً وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوٰاراً (نوح 14 و 15). و الآية من غرر الآيات القرآنية. و طائفة من اطوار الانسان بحسب صورته الظاهرة العنصرية هي اطواره من المعدنية و النباتية و الحيوانية كما قال عز من قائل: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ مِنْ سُلاٰلَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنٰاهُ نُطْفَةً فِي قَرٰارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا اَلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا اَلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا اَلْمُضْغَةَ عِظٰاماً فَكَسَوْنَا اَلْعِظٰامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ (المؤمنون 13-15). و أما اطوراه بحسب صورته الباطنة الروحانية الملكوتية فلها شعب عديدة، و لكل شعبة ايضا شجون لا تنحصر مراتبها، و لا تنتهي مقاماتها، و لا تقف درجاتها. و من تلك الشجون اطواره من العقل الهيولاني و العقل بالملكة و العقل بالفعل و العقل المستفاد و الفناء في العقل الفعال المعبّر عنه بلسان اهل اللّه باللطيفة السرّية، و الفناء في الواحدية محوا و طمسا المعبر عنه بلسانهم ايضا باللطيفة الخفوية، و الفناء في الأحدية محقا المعبر عنهم بلسانهم ايضا باللطيفة الأخفوية، فيصل الى الوحدة الحقة الظلية و مرتبة العماء فيصر كونا جامعا و امام العالم و سر العالمين اجمعين و مصداقا اتمّ لقوله تعالى شأنه و كل شيء احصيناه في امام مبين. و لابدّ لنا في المقام إلاّ أن نرجع الطالب الى سرح العيون في شرح عيون مسائل النفس فان كل عين منها تجري كأنهار من ماء غير آسن، و انهار من لبن لم يتغير طعمه، و انهار من خمر لذة للشاربين، و انهار من عسل مصفّى. و في ينبوع الحيوة:
تصفّحت اوراق الصحائف كلها فلم ار فيها غير ما في صحيفتي
و ما اخبر الكشف الأتم المحمديّ بيان لما في النفس تبيان بسطة
و سبحان ربّي ما اعز عوالمي و اعظم شأني في مكامن بنيتي
و لا ينتهي قطّ كمال الولاية فلا توصف النفس بحدّ و وقفة