مجموع تصور المحكوم عليه و تصور المحكوم به و تصور النسبة الحكمية و الحكم بخلاف الحكيم فإن التصورات الثلاثة شروط عنده فيركب الشطط(21) أي يتعدى عن حد الاقتصار على الحكم فيه.
كل أي كل من التصور و التصديق قسمان ضروري و كسبي(22) فالكسبي ما يحتاج إلى فكر و نظر و الضروري ما لا يحتاج إليه و إن احتاج إلى منبه أو إحساس أو تجربة أو غيرها.
و ذا أي الكسبي من كل منهما من الضروري منه بفكر أخذا و الفكر المصطلح حركة(23) من المطالب التصورية و التصديقية إلى المبادي و من مبادي إلى المراد أي إلى تلك المطالب ثانيا.
(21) قوله: «فيركب الشطط» لأن التصديق قسيم التصور، و المركب من التصورات لا يصير قسيما مقابلا لها. و دريت بيان وجوه أخرى من الشطط آنفا.
(22) قوله: «كل ضروري و كسبي» التصديق الضروري عند الفخر عبارة عن كون الادراكات الاربعة بديهيّة بحيث لوتوقف طرفاه أو أحدهما فقط على الكسب يكون نظريا على رأيه، و اما عند التحقيق فمناط البداهة و الكسب هو نفس الحكم فقط، فان لم يحتج في حصوله الى نظر يكون بديهيّا و إن كان طرفاه بالكسب. نبّه عليه في شرح المطالع (ص 10 ط عبد الرحيم).
(23) قوله: «و الفكر حركة الخ» الفكر المصطلح العملي المنطقي هو الحركة العقلية من المطالب الى المبادي و من المبادي الى المطالب، و تلك الحركة معدّة للنفس الناطقة في فيضان الصور العقلية عليها من المبدء القدسي الحكيم على التفصيل الذي يأتي في الغوص في القياس. و اما الفكر عند جمهور الناس فهو كل انتقال للنّفس في المدركات الجزئية. و بعبارة أخرى يقول الجمهور في كلّ انتقال لأيّه مدركة من المدارك الباطنة من صورة جزئية إلى - اخري، و على أي وجه كان الانتقال: إن هذه النفس تتفكر. مثلا ان القوة المتصرفة ما دامت بيد تصرف العقل و محكومة بحكمه تسمّى مفكرة و متفكرة، و ان كانت محكومة بحكم الوهم تسمّى مخيّلة و متخيلة، و الجمهور قائل بأن النفس تتفكر. و أما الفكر المنطقي فهو انما يجري في المعقولات فقط، إي اذا كانت المتصرفة بيد تصرف العقل في ترتيب امور معقولة بديهيّة أو منتهية إلى البديهية لتحصيل المجهول، فالنفس تتفكر. فالفكر المنطقي عند الجمهور فكر، و ليس كل فكر عند الجمهور فكرا عند المنطقي. فتبصّر. و سيأتي تمام الكلام في اقسام الفكر في غوص في مشاركة الحد و البرهان في الحدود. و المطالب الاولى فى الحركة الفكرية هي اجمالية، و الثانية هي تفصلية اعني الأولى مبهمة إلاّ انها معلومة بالاجمال و الثانية متعيّنة معلومة على التفصيل بالمعرّف و البرهان. و انما كانت الأولى معلومة بالاجمال لاستحالة طلب المجهول المطلق، و ذلك لأن الطلب انما يكون بمعرفة الطلب و بالانتقال اليه و بقدر الطلب يكون المعرفة، و على قدر المعرفة يمكن الانتقال الى المعروف، و طلب كل طالب يشابه مطلوبه فالمطلوب مشعور به من وجه. و سيأتي بعض الاشارات الانيقة في ذلك في البحث عن المعرف انشاء اللّه تعالى. ثم ان شارح المطالع بعد ما عرّف النظر بأنه ترتيب امور حاصلة يتوصل بها الى تحصيل غير الحاصل، و أتى بإفادات حول هذا التعريف؛ قال: و هذا التعريف انما هو على رأي من زعم أن الفكر امر مغائر للانتقال، فاما من جعله نفسه فقد عرّفه بانه حركة ذهن الإنسان نحو المبادي و الرجوع عنها الى المطالب: فما منه الحركة الأولى المطلوب المشعور به من وجه؛ و ما فيه الصور العقلية المخزونة عند العقل و النفس؛ و ما إليه الحدّ الأوسط و الذاتي و العرضي، و منه الحركة الثانية؛ و ما هي فيه الحدود و الذاتيات و العرضيات لترتيبها ترتيبا خاصّا؛ و ما اليه تصور المطلوب و التصديق به. فالحركة الأولى تحصّل المادة، و الثانية تحصّل الصورة، و حينئذ يتّم الفكر. (ص 11 ط عبد الرحيم). قوله: «فما منه و ما فيه و ما اليه الخ» إشارة الى استدعاء الحركة امورا ستة، و قد نظمها المصنف في غرر الفرائد بقوله (ص 235 من الطبع الناصري):
دعت مقولة و علّتين و الوقت ثم المتقابلين
من ما به ما منه ما اليه ما فيه ما عنه و ما عليه
اعلم ان الفكر بازائه الحدس اذ لا حركة فيه اصلا لأنه انتقال دفعي. و هو مختلف في الكم اي في القلّة و الكثرة، كما أن الفكر مختلف فيه و في الكيف أي في السرعة و البطؤ ايضا، و ينتهي الحدس الى القوة القدسية الغنيّة عن الفكر. و الشيخ في الفصل الثاني عشر من النمط الثالث من الإشارات في اثبات القوة القدسية ابتدأ بالغبى و انتهى إلى الغنى عن التعلم بقوله: الست تعلم أن للحدس وجودا و ان للانسان فيه مراتب و في الفكر، فمنهم غبّي لا يعود عليه الفكر برادّة، و منهم من له فطانة الى حدّما و يستمتع بالفكر، و منهم من هو اثقف من ذلك و له اصابة في المعقولات بالحدس، و تلك الثقافة غير متشابهة في الجميع بل ربما قلّت و ربما كثرت؟ و كما انك تجد جانب النقصان منتهيا إلى عديم الحدس فأيقن أن الجانب الذي يلي الزيادة يمكن انتهاؤه إلى غنيّ في اكثر احواله عن التعلّم و الفكر. تبصرة: لما كان الفكر حركة فهو من الأمور المادية لأن الحركة من خواصّ الجسم، و حيث انها من خواصّ الجسم توجب التعب و الملل للبدن، فلو كان الفكر امرا روحانيا لكان الانسان لا يعرف الكلل لأن الروحاني كالعلوم و المعارف يوجب النشاط و الترويح للنفس. بل المفكرة متعلقة بالدماغ و النفس تأخذها آلة لها لادراك الكليات و ذلك التعلق يوجب ملال الدماغ و تعب البدن. فحيث إن الحركة لابد فيها من التعلق بالمادة فأيقن ان القوة النظرية أي العقلي النظري من شأنه أن يضبط الأشياء و يقيّدها فيحصر الأمر الإلهي الذي لا ينحصر في نفسه فيما يدركه و الحقيقة تأبي و تمنع من ذلك. و المفكرة قوة جسمانية يتصرف فيها الوهم تارة، و العقل أخرى فهي محلّ ولايتهما، و الوهم ينازع العقل، و العقل لا نغماس آلته في المادة الظلمانية لا يقدر على ادراك الشيء ادراكا تاما خصوصا مع وجود المنازع، و لا يسلم مدركاته عن الشبه النظرية فيبقي صاحبه لا يزال شاكّا او ظانّا فيما ادركه بخلاف ارباب اليقين فانهم يشاهدون الاشياء بنور ربهم لا بتعلّمهم و تفكرهم. قال سبحانه: إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرىٰ لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ، لتقلبه في انواع الصور و الصفات، و لم يقل لمن كان له عقل فان -