والظاهر أنّ الأوّل هو الحقّ؛ لأنّه أوّلاً: نجد في كتب التاريخ مذكورٌ أنّ فلاناً هو أوّل من استعمل تلك الكلمة المعيّنة لمعنى معيّن واشتهرت وراج استعمالها بعده، كما هو الحال أيضاً في عصرنا الحاضر حيث نجد استمرار عمليّة الوضع بكثرة مذهلة وفي جميع المواضيع.
{aثانياً:a} إنّ الوضع للألفاظ لا يكون إلّامن جهة احتياج عامّة الناس إلى المعاني المقصودة الموصلة بتوسّط الألفاظ، فلذا نشاهد على مرور الأيّام من تكاثر وضع الألفاظ للمعاني، خصوصاً في الصنايع المستحدثة المتداولة بين الناس، فهو أحسن دليل وإشارة إلى أنّ وضع الألفاظ في الأزمنة السابقة كان بهذا النسق، وليس بأمر حادث في زماننا هذا.
فما تكلّف المحقّق المذكور وأتعب نفسه لإثبات كون الوضع من اللََّه تبارك وتعالى، وكونه هو الواضع بتخيّل امتناع إحاطة البشر إلى جميع المعاني الغير المتناهية، ثمّ تسلّم ذلك وقال: (إنّ إبلاغ هذا التعهّد دفعة إلى جميع الناس وعامّتهم كان محالاً آخر، واحتمال التبليغ تدريجاً غير نافع، لأنّ حاجة البشر إلى تأدية المقاصد بالألفاظ تكون ضروريّاً لتوقّف حفظ نظامهم عليه.
ثمّ قال: بل يسئل عن الخلق الأوّل كيف يبرزون مقاصدهم بالألفاظ مع عدم وضع وتعهّد بعدُ من أحدٍ).
ثمّ جعل ذلك من الاُمور المتوسّطة لأنّ التكوينيّات حتّى يكون مخلوقاً بيد اللََّه تبارك وتعالى وليس من التشريعات حتّى تكون بالوحي فقط، بل يختار شقّاً ثالثاً من طريق الإلهام أو الوحي إلى نبيّ من الأنبياء بواسطة حكمة اقتضت بالطبع من وجود كلّ لفظ للمعنى المرتبط، فليس ذلك بلا موجب واقتراح حتّى يؤدّي