جواب ما هو بما ذكر و أن الفصل يقال في جواب أي شيء في جوهر شيء و قولهم لدى الجميع محترم لأحكام قواعدهم و إتقانها و التوفيق أن للإلهى تفنن النمط و وجه ميز في الفصل بقوام ما اختلط يعني أن من قال بأن الفصل يجاب به ما هو يقول به من جهة أنه مقوم كما أنه في الحد التام يجاب به ما هو بل هو الركن الركين هناك لا الجنس المبهم. و أما من جهة الميز الذاتي من حيث هو ميز فيشارك المنطقي في أنه يجاب به أي فلا هدم.
و اشتمال الحدود على العلل الأربع كلا أو بعضا و إن أردت إيضاح مشاركة الحد و البرهان في الحدود فاعلم مقدمتين إحداهما أن
(32) قوله: «غوص في مشاركة الحدّ و البرهان في الحدود» يحب على الغواص في بحار المعارف أن يهتّم بهذا الغوص اشد اهتمام لعظم الخطر في ذلك، و لكي يقتني اللآلي الغالية فيرتقي الى الحيوة المريحة العالية في عيشة راضية. ثم المراد بالمشاركة أن ما يذكر في حدّ الشيء يجعل حدّا وسطا في برهانه، و بعبارة اخرى أن الحدّ الاوسط في البرهان بعينه هو الحدّ المتأخر الذي هو الفصل في الحدّ. و من هنا قالوا: إنّ ما لا حدّ له لا برهان عليه. مثلا قال صاحب الأسفار في الفصل الأول من المنهج الاول من المرحلة الأولى منه في أن الوجود المطلق لا يمكن تعريفه بحدّ أو رسم ما هذا لفظه: التعريف إما أن يكون بالحد أو بالرسم و كلا القسمين باطل في الوجود: أما الأول فلأنه أنما يكون بالجنس و الفصل، و الوجود لكونه اعمّ الأشياء لا جنس له فلا فصل له فلا حدّ له؛ و أما الثاني فلأنه تعريف بالأعرف و لا أعرف من الوجود، فمن رام بيان الوجود بأشياء على أنّها هي أظهر منه فقد أخطأ خطأ فاحشا؛ و لمّا لم يكن للوجود حدّ فلا برهان عليه لأن الحدّ و البرهان متشاركان في حدودهما على ما تبيّن في القسطاس (ج 1 ط 1 ص 5 و 6). و نحوه قوله الآخر في الفصل الأول من المنهج الثاني من تلك المرحلة من أن موجودية الممكن ليست الا باتحاده مع حقيقة الوجود الغني عن ما سواه، فالوجودات حقائقها تعلقيّة لا يمكن للعقل الاشارة اليها مع فرض انفصالها عن القيوم الجاعل بأنها هي هي اذ ليست لها هويات انفصالية استقلالية. و هذا ممّا يحتاج تصوّرها الى ذهن لطيف زكيّ في غاية الزّكاء و الدقة و اللطافة. و لهذا قيل ان هذا طور وراء طور العقل لأن ادراكها يحتاج الى فطرة مستأنفة و قريحة ثانية. فكما ان الماهيات الغير البسيطة (اي المركبة) التي لها حد لا يمكن تصورها بحدودها (أي بأجناسها و فصولها) و الاكتناه بماهياتها إلا بعد تصوّر ما سبق عليها من مقوماتها الذاتية (اي المادة و الصورة)، فكذلك لا يمكن اكتناه شيء من انحاء الوجودات الفاقرة الذوات إلا من سبيل الاكتناه بما هو مقوّم له من مباديه الوجودية و مقوماته الفاعلية. و من تعمق تعمقا شديدا فيما ذكره المنطقيون في كتاب البرهان ان الحدّ و البرهان متشاركان في الحدود، و أن الحدّ الأوسط في البرهان بعينه هو الحد المتأخر الذي هو الفصل في الحد؛ و ما ذكره المعلم الأول في اثولوجيا أن الجواب عمّا هو و لم هو في كثير من الأشياء واحد، يجد اشارة لطيفة غامضة بل واضحة الى صحّة ما قلناه (ج 1 ص 19 ط 1). بيان: قوله: «و ان الحدّ الاوسط...» عطف تفسيري لقوله ان الحد و البرهان متشاركان في الحد لأن تشارك الحد و البرهان في الحدود ليس الا كون الحدّ الاوسط في البرهان بعينه هو الحدّ المتأخر الذي هو الفصل في الحدّ فتبصّر.