ثم مقدمات برهان و مادته. و المقدمة هاهنا هي القضية التي جعلت جزء حجة قياسا كانت أو استقراء أو تمثيلا ترى و تعلم موقنة ضرورة أو نظرا أي إيقانا ضروريا كان أو كسبيا. و في صيغة الجمع إشارة إلى أن المعتبر في البرهان أن يكون جميع مقدماته يقينية بخلاف غيره إذ يكفي في كون القياس مغالطيا مثلا أن يكون إحدى مقدمتيه وهمية و إن كانت الأخرى يقينية نعم يجب أن لا يكون فيها ما هو أدون مما يعتبر فيها و إلا فيلحق بالأدون فالمؤلف من مقدمة مشهورة و من مخيلة لا يسمى جدليا بل شعريا. و حد اليقين و تعريفه و هو القطع و بت أي اليقين مساوقهما أنه تصديق جازم مطابق ثبت فباعتبار التصديق لم يشمل الشك و التخيل و التوهم و سائر التصورات و باعتبار الجزم خرج التصديق الظني و باعتبار المطابقة خرج الجهل المركب و باعتبار الثبات التقليد.
غوص [في أن الضروريات الست مرجع النظريات]
إن ضرورياتنا ست و ذي أي الست سيما الأوليات مرجع كل النظريات خذي لاستحالة الدور و التسلسل فالبديهيات بذور كل أثمار النظريات و إليها تنتهي كل اليقينيات و هي نعم موهبية أعطاها الله تعالى لكل العقول الهيولانية(2) و بها صارت
(2) قوله: «اعطاها اللّه لكل العقول العقول الهيولانية...» يعني بالعقول الهيولانيه النفوس الانسانية المستعدة لتحصيل المعقولات الثانية التي هي العلوم المكتسبة. فاعلم أن قوى النفس النظرية بحسب مراتبها تنقسم الى ما يكون باعتبار كونها كاملة بالقوة، و الى ما يكون باعتبار كونها كاملة بالفعل و القوة مختلفة ايضا بحسب الشدة و الضعف لأن الاستعداد اما ضعيف او متوسط او شديد بحسب مراتب الأمزجة، فمبدؤها كما يكون للطفل من قوة الكتابة؛ و وسطها كما يكون لأمي في سن الترعرع المستعد لتعلّم الكتابة و منتهاها كما يكون للقادر على الكتابة الذي لا يكتب و له أن يكتب متى شاء. فقوّة النفس المناسبة للمرتبة الأولى تسمى عقلا هيولانيّا تشبيها إياها بالهيولى الأولى الخالية في نفسها عن جميع الصور، المستعدّة لقبولها و هي حاصلة لجميع اشخاص عن نوع في مبادى فطرتهم. و قوّتها المناسبة للمرتبة المتوسطة تسمى عقلا بالملكة، و هي ما يكون عند حصول المعقولات الأولى التي هي العلوم الأولية بحسب الاستعداد لتحصيل المعقولات الثانية التي هي العلوم المكتسبة. و مراتب الناس تختلف في تحصيل المعقولات الثانية: فمنهم من يحصّلها بشوق مّالنفسه اليها يبعثها على حركة فكريّة شاقة في طلب تلك المعقولات و هو من اصحاب الفكرة. و منهم من يظفر بها من غير حركة من نفسه بل بسهولة إما مع شوق اولا مع شوق و هو من اصحاب الحدس؛ و تتكثر مراتب الصنفين. و صاحب المرتبة الأخيرة ذو قوة قدسية. و أما قوتها المناسبة للمرتبة الأخيرة فتسمى عقلا بالفعل، و هي ما يكون عند الاقتدار على استحضار المعقولات الثانية بالفعل متى شاء بعد الإكتساب بالفكر او الحدس. و هذه قوة للنفس. و حضور تلك المعقولات بالفعل كمال لها و هو المسمى بالعقل المستفاد لأنها مستفادة من عقل فعال في نفوس الناس يخرجها من درجة العقل الهيولاني الى درجة العقل المستفاد فانّ كل ما يخرج من قوة الى فعل فانما يخرجها غيرها. و قياس عقول الناس في استفادة المعقولات الى العقل الفعال، قياس ابصار الحيوانات في مشاهدة الالوان الى الشمس. هذا ما حرّره المحقق الطوسي في شرحه على الفصل العاشر من نفس الاشارات مع بعض زيادات ايضاحية منّا.