يكون آلة للحكمة و ينظر به إليها و ما به ينظر إلى الشيء فان فيه فهو هو لكن من حيث إنه ينظر به لا من حيث إنه ينظر فيه. و انتفاع غيرها به إنما هو غاية بالعرض.
من منطق عيونه خرارة(1) أي كثيرة الجريان و خرير الماء صوته(2). و هذا و ما بعده تمثيلات أنيقة في تحسين المنطق واردها قريحة عالية الشأن طيارة(3) فضلا عن أن
(1) قوله: «من منطق عيونه خرّاره» ناظر في وصف المنطق بتلك الاوصاف الى كلمات الشيخ الرئيس في رسالة حيّ بن يقظان، حيث قال: «فرجع بنا الحديث إلى مسائلته عن اقليم اقليم ممّا أحاطه بعلمه و وقف على خبره. فقال: إن حدود الأرض ثلاثة: حدّ يحوزه الخافقان و قد أدرك كنهه و ترامت الأخبار الجليّة المتواتره و الغريبة يجلّ ما يحتوي عليه؛ و حدّان غريبان، حدّ وراء المغرب و حدّ وراء المشرق لكلّ واحد منهما حد محجور لن يعدوهما إلا الخواص منهم المكتسبون منّة لم يتأت للبشر بالفطرة. و ممّا يفيدها الإغتسال بعين خرّارة في جوار عين الحيوان الراكدة إذا هدي اليها السائح، فتطهّر بها و شرب من فراتها، سرت في جوارجه منّة مبتدعة يقوي بها على قطع تلك المهامة، و لم يرسب في البحر المحيط و لم يتكأده جبل قاف و لم تدهدهه الزبانية مدهدهة إلى الهاوية. فاستزدناه شرح حال هذه العين؛ فقال: سيكون قد بلغكم حال الظلمات المقيمة بناحية القطب فلا يسطع عليها الشارق في كل سنة إلى أجل مسمّى انّها من خاضها و لم يخم عنها (و لم يحتم عنها - خ) أفضى إلى فضاء غير محدود قد شحن نورا. فيعرض له أول شيء عين خرّارة تمدّ نهرا على البرزخ من اغتسل منها خفّ على الماء، فلم يرجحن إلى الغرق و تقمّم تلك الشواهق غير منصب حتى تخلّص إلى أحد الحدّين المنقطع عنهما. الخ (ص 33-38، ابن سينا و تمثيل عرفاني ط ايران). اراد بالعين الخرارة علم المنطق، واراد بعين الحيوان الراكدة علوم الحقائق، واراد بالزبانية الشكوك، واراد بناحية القطب النفس الانسانية التي عليها مدار امر الناس و من جملتها تدبير البدن و سائر القوى، واراد بالظلمات الشكوك العارضة لطبقات الناس على درجاتهم فلا يستطيع عليها الشارق أي لا يقوي العقل و القوة النطقية على ازالتها و ايضاح الحق فيها إلى أجل مسمّى و هو حين مكتسب منه يقوي منه على ذلك، و بالبحر الهيولى، و غروب الشمس فيها مصير الصورة اليها و ملابستها اياها، و هذا اقليم الأشياء الكائنة الفاسدة (شرح رموز حى بن يقظان لابي منصور بن زيلة. درة التاج ص 176 ط 1).
(2) قوله: «و خرير الماء صوته» الخرير على وزن الشريف مصدر خرّمن بابي نصر و ضرب.
(3) قوله: «واردها قريحة طيارة» اي وارد تلك العيون قريحة طيارة؛ معناه ان من كان له قريحة اي طبع و منّة طيّارة يرد هذه العيون المنطقية، كما قال الشيخ في آخر النمط التاسع من الاشارات: «فان ما يشتمل عليه هذا الفن ضحكة للمغفل عبرة للمحصّل فمن سمعه فاشمأزّ عنه فليتهم نفسه لعلّها لا تناسبه و كلّ ميسر لما خلق له». و كما قال المحقق الطوسى في اساس الاقتباس: چنانكه نه هر مردى نجارت تواند آموخت، نه هر مردى صناعت منطق حاصل تواند كرد (ص 15 ط 1)؛ او يمكن أن يكون معناه واردها يصير ذا قريحة طيّارة، و كأن الوجه الأول هو الوجيه. ثم إنّ فيه اشارة الى مراتب القرائح الثلاث. اعلم ان اهل الدين على ثلاث طوائف: الواقفون و السائرون و الطائرون. فالواقف من لزم عتبة صورة الشريعة و لم ينفتح له باب القلب، و هو محبوس في ظواهر الشرع بقيد التقليد، ليس له الى عوالم الملكوت سبيل، و إلى الجبروت دليل، فهو متوغل في الأدناس الطبيعية و المعاملات البدنية، مشتغل بالهواجس الدنياوية، متعبد بالعبادات البدنية. و السائر من يسافر من حضيض الصورة إلى اوج المعنى من المحسوسات الى المعقولات من الخلق الى الحق بقدمي الشرع و العقل على طريق الآخرة و جادة الجنّة. و الطائر من يطير بجناحى العشق و العرفان الى فضاء حضرة الملكوت الى قدس الجبروت، و من حضرة الجبروت الى حضرة القدس اللاهوت مقبلا بشراشر قلبه، و مشاهدا بحذافير سرّه إلى حضرة مولاه مدبرا عمّا سواه حتى يخرج من الأين و البين، و يفنى و يصل في العين. فالقرائح في السلوك العلمي إما قريحة واقفة راكدة خامدة و هي قطانّه. يقال قطن بالمكان من باب نصر أي أقام به، فهي قريحة غبيّة لا يعود عليها الفكر برادّة. و اما قريحة سيارة سريعة الانتقال إلى المطالب. و إما طيارة ذات حدس قدسى يكاد زيتها يضييء و لو لم تمسسه نار.