هو الحكم فقط(18) أي مجرد الإذعان و إدراك أن النسبة واقعة(19). و هذا مذهب الحكماء و من
(18) قوله: «أو هو تصديق هو الحكم فقط» قد اختار صاحب المطالع التركيب في التصديق كما ذهب اليه الفخر الرازي، و اورد عليه القطب الرازي شارح المطالع وجوها من الاشكالات حيث قال: اعلم ان مختار المصنف في التصديق منظور فيه من وجوه: الأول انه يستلزم أن التصديق ربما يكتسب من القول الشارح و التصور من الحجة، أما الأول فلأن الحكم فيه إذا كان غنيا عن الاكتساب و يكون تصور أحد طرفيه كسبيا كان التصديق كسبيا على ما اختاره و حينئذ يكون اكتسابه من القول الشارح؛ و أما الثاني فلأن الحكم لابد أن يكون تصورا عنده و اكتسابه من الحجة. الثاني أن التصور مقابل للتصديق، و لا شيء من احد المتقابلين بجزء للمقابل الآخر، و أما الواحد و الكثير فلا تقابل بينهما على ما تسمعه من ائمة الحكمة. الثالث ان الادراكات الأربعة علوم متعددة فلا يندرج تحت العلم الواحد. فعلى هذا طريق القسمة أن يقال: العلم إما حكم أو غيره و الأول التصديق، و الثاني التصور، و هو مطابق لما ذكره الشيخ و غيره من محققي هذا الفن في كتبهم.
(19) قوله: «اي مجرد الاذعان و ادراك ان النسبة واقعة» يقتضي المقام نقل ما أفاده صدر المتألهين في صدر رسالته في التصور و التصديق، في تقسيم العلم الى التصور و التصديق قال: اعلم أن كل تقسيم عبارة عن ضمّ قيود متخالفة إلى امر واحد مبهم ليحصل بانضمام كلّ قيد اليه قسم. و تلك القيود إما فصول ذاتية مقوّمة لماهية الأقسام التي هي الأنواع، و مقررّة لوجود المقسم الذي هو الجنس باعتبار. و إما عوارض خارجة عن حقائق الأقسام، داخلة في مفهوماتها من حيث إنها اقسام للمقسم. و الحاصل في الضرب الأول من المقسم و القيد لكل واحد من الإتمام حدّ له، و في الثاني رسم له. و ربما يكون حدّا اصطلاحيّا بحسب شرح الاسم. ثم اعلم ان الوحدة معتبرة في جميع التقسيمات، و الاّ لم يكن شيء من التقسيمات منحصرا. فانك اذا قلت: الكلمة إما اسم أو فعل أو حرف لم يكن تقسيمك حاصرا إلا أن تريد بها الكلمة الواحدة، - و إلا لكان المجموع من كل اثنين ايضا قسما، و المجموع الحاصل من الثلاثة ايضا قسما آخر، و كذا الحاصل من التركيبات الواقعة بين كل منهما و الجزء الآخر فيضاعف الأقسام. و تلك الوحدة المعتبرة في المقسم لا بد و أن يكون من جنس اقسامه: إن كانت اجناسا فجنسية، و ان كانت انواعا فنوعيّة، و ان كانت اشخاصا فشخصية. ثم هذه الوحدة المعتبرة قد تكون طبيعية، و قد تكون صناعيّة أو اعتبارية: الأولى كوحدة الانسان و وحدة الفرس. و الثانية كوحدة السرير و وحدة الدار و العسكر، و كل نوع له وحدة طبيعيّة لابد و أن يكون أحد جزئيه معنى جنسيا و الآخر فصلا؛ و ان كان النوع مركبا خارجيّا لابد و ان يكون جنسه مأخوذا من مادته، و فصله مأخوذا من صورته. و لا يخفى أن انقسام العلم إلى قسميه أعني التصور و التصديق انقسام معنى جنسي إلى نوعين متقابلين، و أن لكل منهما وحدة طبيعية غير تأليفيّة و لا صناعية، بل انهما كيفيّتان بسيطتان موجودتان في النفس، و هما من الكيفيات النفسانية التي نحو وجودهما في نفس الأمر هو كونها حالة نفسانيّة كالقدرة و الإرادة و الشهوة و الغضب و الحزن و الخوف و اشباهها. و لو سئلت الحق فهما نحوان من الوجود الذهني يوجد بها معلومات في الذهن. و أما مفهوماهما فهما من قبيل المعلومات التي هي من المعقولات الثانية التي يبحث عنها المنطقيون في صناعتهم، لا من قبيل العلم و إلاّ لم يكن تعريفهما. و على أيّ الوجهين هما أمران بسيطان أما على الأول فلأنهما نحوان من الوجود، و كل وجود بسيط، و مع بساطته يتشخص بذاته لا بامر زائد. و اما على الثاني فهما نوعان من مفهوم العلم مندرجان تحت معنى العلم اندراج النوعي البسيطي تحت المعنى الجنسي كالسواد و البياض تحت اللون لا كالانسان و الفرس تحت الحيوان، و لا كالاسود و الأبيض تحت الانسان من المركبّات الخارجية، و كل ما هو نوع بسيط في المعنى فليس لجنسه تحصّل إلاّ بفصله بل هما واحد جعلا و تحصّلا. اذا عرفت هذه المقدمات فنقول: إذا ثبت او تحقق أن كلاّ من التصور و التصديق نوع بسيط من ماهية العلم الذي هو جنسهما. فما اسخف رأي من جعل التصديق مركبا من امور ثلاثة، أو اربعة كما اشتهر من رأي الامام الرازي؟! و ما اسخف رأي من جعله نفس الحكم الذي هو فعل من افعال النفس، و هو قسم من العلم الانفعالي الذي نسبة النفس اليه بالقبول و الانفعال لا بالتأثير و الايجاد؟! - و كذا رأي من اخذ في تحصيل مفهوم التصديق التصور على وجه الشرطية لا على وجه الدخول. و الحق أن مفهوم التصوّر عين التصديق جعلا و وجودا، داخل فيه ماهية و تحليلا كدخول الجنس في ماهية النوع البسيط. و كذا رأي من جعل لفظ التصور مشتركا بحسب الصناعة بين ما يرادف مطلق العلم، و بين ما هو قسيم للتصديق؛ و جعل المعتبر في مفهوم التصديق شرطا كما في مذهب الحكماء، أو شطرا كما في مذهب المحدثين هو المعني الثاني اعني التصوّر المقيّد بعدم الحكم. و هذا في غاية الردائة و السخافة لأن الكلام في تحصيل المعنى و المفهوم، و التقسيم في الحقيقة من باب التعريفات و الأقوال الشارحة، و محال أن يعتبر افراد أحد القسمين في ماهية القسم الآخر و قوله الشارح له شرطا او شطرا. و كذا يلزم اشتراط الشيء بنقيضه على رأي المتقدمين، او تقوم الشيء بنقيضه على رأي المتأخرين؛ أو مجامعة الشيء لنقيضه على رأي من جعل التصديق هو التصوّر المجامع للحكم، و الكل محال. و العذر الذي ذكره شارح المطالع و وافقه السيد الشريف في حاشية شرح المطالع و حاشية شرح الرسالة لمنع هذه الاستحالة بما حاصله - الذي اعتبر في معنى التصديق بأحد الوجهين ليس مفهوم التصور، بل ما صدق عليه هذا المفهوم و هي التصوّرات الثلاثه صدقا عرضيا، و لا فساد في اشتراط الشيء بمعروض نقيضه، و لا في تقومه كالصلوة المشروطة بالوضوء، و البيت المتقوم بالجدار، و الوضوء ليس بصلوة و الجدار ليس ببيت - أوهن من بيت العنكبوت. فان كلامنا في هذا المقام أنما هو في تحصيل مفهوم التصديق الذي هو من باب القول الشارح لا في وجوده. و لا يمكن تحصيل مفهوم احد القسمين. لشيء من افراد قسمه. و هل هذا إلاّ كما يقسم احد الحيوان الى الانسان، و الى ما يتركب مفهومه من ثلاثة افراد من الانسان، أو يتوقف مفهومه على تلك الثلاثة؟ و لا شك في بطلان مثل هذا التقسيم لأنّ توقف الشيء في الوجود على شيئ آخر هو من احوال وجوده لا من احوال ماهيته. و المنع - الذي ذكره بعضهم في استحالة تقوم الشيء، او اشتراطه بنقيضه و الاّ لزم المعاندة بين الكل و الجزء، و المشروط و الشرط مستندا بوقوع العنادبين الواحد و الكثير مع أنّ الواحد جزء الكثير - منفسخ بما ذكرنا فان ذلك على تقدير صحته انما هو في وجود المركبات الغير الحقيقية لا في ماهيات الأمور النوعية سيما البسائط الوجودية، و محال ان يكون جزء ماهية الشيء النوعي معاندا له، و التصديق من هذا القبيل. فالحق أن يقال في تقسيم العلم إلى التصور و التصديق كما يستفاد من كلام المحققّين: إن حصول - صورة الشيء في العقل الذي هو العلم إما تصور ليس بحكم، و إما تصور هو بعينه حكم، او مستلزم للحكم بمعنى آخر. و التصوّر الثاني يسمّى باسم التصديق، و الأول لا يسمى باسم غير التصور. و هو المراد من قولهم: العلم إما تصور فقط، و إما تصوّر معه حكم. فان المحققين لم يريدوا بهذه المعية أن يكون لكل من المعين وجود غير وجود صاحبه في العقل حتى يكون أحدهما شرطا أو جزءا، و الآخر مركبا منه او مشروطا به كما يتوهم في بادي النظر من كلامهم. إذ لأجل أنهم رأو أن التصديق لا يتحقق إلا اذا تحقق تصورات ثلاثة فتوهمّوا ان المراد من التصور المعتبر في ماهيّة التصديق هو تلك التصورات المبائنة له. بل هذه المعيّة أنما هي عند التحليل الذهني بين جنسه و فصله. و هذا كما يقال: الانسان هو الحيوان مع الناطق، و لم يرد به ان للحيوان وجودا،-