إذ متعلق بلازم في وجودات الأمور رابطة(2) و علاقة يرشدكم إلى تحقق الرابطة
(1) قوله: «سباحة...» لا يخفي عليك حسن صنيعته في التعبير عن عنوان هذا المبحث بالسباحة لا بالغوص، لما تقدم من ان البحث عن الألفاظ انما هو شأن الأديب و شغله، و المنطقي لا نظر له بالذات في الالفاظ، و انما نظره الذاتي في المعاني، أي هو ناظر الى معقولات ثانية على وجه يقتضي تحصيل شيء مطلوب، و لكنه لمّا لم يتيسّر له القاء المعاني بلا لفظ احتاج إلى سباحة في بعض مباحث الألفاظ التي لها دخل في ايفاء المراد المنطقي لا بحسب لغة خاصّة بل مطلقا.
(2) قوله: «إذ في وجودات الأمور رابطة» متعلق بقوله الآتي: «فلازم للفيلسوف المنطقي» لانه تعليل لحاجة المنطقي الى البحث عن الالفاظ. و اعلم أنّ لكل موجود نزولا و صعودا اعني في قوسي النزول و الصعود، اطوارا و مراتب قوله سبحانه: يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّمٰاءِ إِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ (السجدة 6) و قوله تعالى شانه: مٰا لَكُمْ لاٰ تَرْجُونَ لِلّٰهِ وَقٰاراً وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوٰاراً (نوح 14 و 15) و تلك المراتب و الاطوار قد يعبر عنها بعوالم ذلك الموجود. و حيث ان الطفرة مطلقا محال، و إن لكل شيء خزائن قال عزّ من قائل: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّٰ عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلاّٰ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (الحجر 22)، فالموجود في عالم الشهادة المطلقة مثلا موجود طبيعي و له وجود مثالي و وجود نفسي و وجود عقلي و وجود الهي. و تلك العوالم يماثل بعضها بعضا و يحاكي بعضها عن بعضها أي الداني مثال للعالي و بالعكس. و بوجه آخر كما في الكتاب أن وجود الشيء اما عيني أو ذهني أو لفظي او كتبي، و الأوّلان حقيقيان، و الاخيران وضعيان لاختلافهما بحسب الأعصار و الأمم. و ان شئت قلت بتعبير آخر: ان وجود الاشياء على اربع مراتب: وجود في الأعيان، و وجود في الأذهان، و وجود في اللفظ، و وجود في الكتابة. و كل مرتبة من الثلاث الاخيرة تدلّ على ما قبلها، فالكتابة تدلّ على اللفظ، و اللفظ على الوجود الذهني، و الوجود الذهني على الوجود العيني؛ إلاّ أن دلالة الكتابة و الألفاظ تختلف بحسب الأوضاع، و دلالة الوجود الذهني الذي هو عبارة عن تصورات الأشياء لا تختلف باختلافها، كما أنّ مدلولها الذي هو الوجود العيني لا يختلف. و حيث ان لكل شيء وجودا عينيا و ذهنيا و لفظيا و كتبيا فكما ان وجوده الذهني وجوده، كذلك وجوده اللفظي و الكتبي إذا جعلا عنوانين له، آلتين للحاظه فإنّ وجه الشيء هو الشيء بوجه، و ظهور الشيء هو هو. فاذا سمع لفظ السماء مثلا أو نظر إلى نقشه يستغرق في وجوده الذهني الذى هو أربط و اعلق به، و لا يلتفت إلى انه كيف مسموع أو مبصر، بل جوهر بجوهريته و ظهور من ظهوراته و طور من اطواره، و من ثم لا يمسّ نقش الجلالة بلاطهارة و يترتب على تعويذه و تعويذ اسماء الانبياء و الأئمة عليهم السلام الآثار، و كذا خط المصحف لا يمسّ الا بالطهارة قوله سبحانه: لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ (الواقعة 80).